A- A A+
الخميس، ۲۱ حزيران/يونيو ۲۰۱۸
الخميس، ۰۷ شوال ۱۴۳۹

            

 
 
 

 

كيف نشأت نظرية السبب

247 -القانون الروماني والقانون الفرنسي القديم:

في هذين القانونين يجب أن نتعقب كيف نشأت نظرية السبب. ولعل نظرية قانونية لا يلقى عليها تاريخ تطورها من الضوء بمقدار ما يلقى التاريخ على نظرية السبب. وسنرى أن القانون الروماني ظل بمعزل عن هذه النظرية إلى مدى بعيد إذ غلبت فيه الشكلية. وقد نبتت النظرية ثم ترعرعت منذ تحررت الإرادة من الشكل في عهد القانون الكنسي كما قدمنا. وتطورت النظرية بعد ذلك تطوراً يغاير طبيعتها، وانقلبت على يد دوما (Domat) ومن سبقه وتلاه من الفقهاء من نظرية نفسية إلى نظرية موضوعية. وبقيت كذلك عهوداً طويلة. وانتقلت على هذا النحو إلى القانون الفرنسي الحديث، ضعيفة الأثر، قليلة الجدوى. وسنشهد بعد ذلك كيف أن النظرية استردت جدتها في العهد الأخير، ورجعت خصبة قوية منذ عادت نظرية نفسية........

المطلب الأول: نظرية السبب في القانون الروماني

1 – العهد القديم

248 – العقود كانت شكلية فلم يكن للسبب فيها أي أثر:

كانت العقود في العهد القديم للقانون الروماني شكلية. فكان العقد ينعقد بأوضاع وأشكال خاصة، ولم يكن للإرادة أي تدخل في تكوينه. وكانت العقود الشكلية ثلاثة: عقد يتم بوزن صوري ( nexum) ، ثم ظهر إلى جانبه العقد الكتابي ( litteris ) ويتم بكتابة على نحو خاص ، والعقد اللفظي (verbis ) ويتم بألفاظ معينة . ولم تكن هذه العقود الشكلية عقوداً بالذات ، بل كانت قوالب تصب فيها العقود . فالبيع والإيجار والقرض والشركة وغير ذلك من العقود كانت توضع في شكل من هذه الأشكال الثلاثة حتى يتم انعقادها . وهذه الأشكال هي التي كان الرومان يدعونها " السبب المدني " ( causa civilis ) . فهي ليست سبباً للالتزام العقدي على النحو المعروف في القانون الحديث ، بل هي سبب لانعقاد العقد ، أو هي الشكل القانوني الذي يجعل العقد يتكون [1] ) . وهذا الشكل ضروري في انعقاد العقد ، وهو في الوقت ذاته كاف لانعقاده . فهو ضروري لأن العقد بدونه لا ينعقد . وهو كاف لأنه متى وجد انعقد العقد ، سواء قامت إرادة المتعاقدين إلى جانب الشكل أو لم تقم ، وسواء كانت الإرادة إذا قامت صحيحة أو معيبة ، وسواء اتجهت إلى غرض مشروع أو غرض غير مشروع . فالشكل وحده ، لا الإرادة ، هو الي يوجد العقد .

ومن ثم يتبين أن السبب في هذه العقود الشكلية لم يكن له أي اثر في تكوين العقد ، فسواء وجد أن لم يوجد ، وسواء كان مشروعاً أو غير مشروع ، فإنه لا شأن له بالعقد ، مثله في ذلك مثل الإرادة . ومتى توافر للعقد لشكله القانونين انعقد ، دون نظر إلى الإرادة ، ودون نظر إلى السبب .

249 – وكذلك طرق نقل الملكية كانت شكلية ولم يكن للسبب فيها أي أثر:

وكما كانت العقود في العهد القديم شكلية مجردة عن السبب ، كذلك كانت طرق نقل الملكية . فلم تكن الملكية تنتقل بالعقد . بل كان العقد يتلوه وضع خاص هو الذي ينقل الملكية . وكانت هذه الأوضاع هي أيضاً ثلاثة : وضع يتم بأشكال عتيقة ( mancipatio ) ، ووضع يتم بدعوى صورية أمام القضاء ( in jure cession ) ، ووضع مادي يتم بالتسليم ( tradition ) وأي وضع من هذه الأوضاع متى تم تنتقل به الملكية ، دون نظر إلى السبب الذي انتقلت من اجله كبيع أو هبة أو شركة . فإذا باع شخص من آخر شيئا ، وتم وضع من هذه الأوضاع الثلاثة ينقل به البائع ملكية المبيع إلى المشتري ، انتقلت الملكية ، دون نظر إلى ما إذا كان البيع قد تم أو لم يتم ، ودون نظر إلى ما إذا كان قد تم صحيحاً أو كان فيه عيب .

2 – العهد المدرسي

250 – اختفاء أكثر العقود الشكلية :

تطور القانون الروماني بانتشار التجارة وتقدم طرق التعامل ، فاختفت أكثر العقود الشكلية . اختفى عقد الوزن الصوري ( nexum ) بزوال الفائدة التي كان يوليها ، وهي دعوى من دعاوى الرومان القديمة تمكن الدائن من السيطرة على جسم المدين ( manus injection ) . واختفى العقد الكتابي ( litteris ) باختفاء السجلات الخاصة التي كان هذا العقد يدون فيها ، وكان الرومان قبلا يحتفظون بها ، ثم اخذوا يهجرون هذه العادة شيئاً فشيئاً حتى انقرضت ، فانقرض بانقراضها العقد الكتابي .

ولم يبق من القيود الشكلية إلا العقد اللفظي ( verves, stipulation ) لسهولته النسبية وللحاجة إليه إذا حرص المتعاقدان على استبقاء مزايا العقد الشكلي .

251 – بدء ظهور السبب في العقد اللفظي :

على أن العقد اللفظي مع بقائه شكلياً لم يخل مع تطور القانون الروماني من أن يتأثر بفكرة السبب . تأثر بها تأثراً غير مباشر في ناحيتين ، ثم تأثر بها تأثراً مباشراً في ناحية الثالثة .

فإذا كان العقد اللفظي سببه غير موجود أو غير مشروع ، فإن العلاج لم يكن بطلان العقد كما هو الأمر في القانون الحديث ، بل كان العقد يبقى صحيحاً ، ولكن المدين يعطي دعوى من دعاوى الاسترداد المعروفة في القانون الروماني ( condictiones sine causa ) يستطيع أن يسترد بها أما أعطاه دون سبب أو بسبب غير مشروع . وهذه الدعوى قد يلجأ إليها المدين كدعوى يرفعها على الدائن أو كدفع يدفع به دعوى الدائن . فهو إذا لجأ إليها كدفع يستطيع أن يتوقى مطالبة الدائن له بالتزام قام على سبب غير صحيح أو لسبب غير مشروع . وإذا لجأ إليها كدعوى يستطيع أن يسترد بها ما دفع للدائن وفاء لهذا الالتزام ، أو أن يتخلص من الالتزام ذاته إذا لم يكن قد وفى به . وسنرى عند الكلام في الإثراء بلا سبب الصور المختلفة الدعوى الاسترداد هذه [2] ) . ويلاحظ أن هذه الدعوى كانت من خلق القانون الروماني المدني ( Jus civil ) .

أما القانون البريطوري (droit prétorien) فقد جعل للمدين في الحالة المتقدمة دفعاً هو الدفع بالغش (exception doli) يستطيع به أن يتوقى مطالبة الدائن، دون أن يستطيع مهاجمته للتخلص من التزامه أو لاسترداد ما دفع .

هاتان هما الناحيتان اللتان تأثر فيهما العقد اللفظي بفكرة السبب تأثراً غير مباشر. ونقول غير مباشر لأن فكرة السبب لم تعترض العقد عند تكوينه ولم تؤثر فيه تأثيرا مباشراً بأن تمنع نفاذه، بل بقى العقد صحيحاً نافذاً . ولكن عند تنفيذه تظهر فكرة السبب، فتوجب الاسترداد أو تمنع التنفيذ ، عن طريق الدعوى أو عن طريق الدفع .

على أن هناك ناحية ثالثة تأثر فيها العقد اللفظي بفكرة السبب تأثراً مباشراً كما أسلفنا القول . وقد كان ذلك في ناحية عقد القرض إذا كان واقعاً على مبلغ من النقود . فقد جرت العادة في القانون الروماني بان يتعهد المقترض برد القرض بعقد لفظي ، ثم بعقد مكتوب يكتب فيه الشرط اللفظي بدلا من التفوه به ، وذلك قبل أن يتسلم مبلغ القرض . فهو قد التزم قبل أن يتسلم شيئاً ، والتزامه صحيح ما دام دق استوفى الشكل المطلوب . فإذا أراد أن يستعين بدعوى الاسترداد . فعليه هو أن يثبت أنه لم يتسلم شيئاً حتى يلتزم برده ، ولا يكلف المقرض بإثبات السبب . وكان من وراء ذلك أن تعسف المقرضون بالمقترضين ، إذ كان هؤلاء يلتزمون مقدماً وقد لا يتسلمون شيئاً أو يتسلمون مبلغاً أقل من المذكور بالعقد ، ويقع عليهم مع ذلك عبء الإثبات إذا أرادوا التخلص من هذا الالتزام . فادخل قانون امبراطوري ( constitution impériale تعديلا في هذه الأحكام يقضي بأنه إذا التزم المقترض ، واعترف كتابة أنه تسلم مبلغ القرض ، فله أن يقرر بطريق الدعوى أو بطريق الدفع أنه لم يتسلم في الواقع شيئاً ( querela non numeratea pecuniae ) ، وعلى المقرض إذا أراد استيفاء الالتزام أن يثبت أن المقترض قد تسلم القرض . ومعنى هذا أن الدائن في هذه الحالة مكلف أن يثبت وجود سبب للالتزام، وإلا كان العقد غير نافذ. ومن هنا دخلت فكرة السبب في العقد اللفظي عن طريق مباشر ، فانعدام السبب يمنع نفاذ العقد ، ولا يقتصر على إباحة الاسترداد أو على التخلص من الالتزام بعد أن يصير العقد نافذاً [3] ) .

ويلاحظ أنه حتى عند ظهور هذا الأثر المباشر لفكرة السبب في العقد اللفظي ، فإن السبب لم يقم على أساس نفسي متصل بإرادة المتعاقدان بل قام على أساس موضوعي لا صلة له بهذه الإرادة . فهو قد قام على واقعة أن المقترض لم يتسلم القرض ، وأن العدالة تقضي في هذه الحالة إلا يلتزم بشيء نحو المقرض . فالسبب هنا كالسبب في الفرضين السابقين – دعوى الاسترداد والدفع بالغش – إنما قام على اعتبارات تتصل بالعدالة لا بالإرادة . وبقيت الشكلية في العقد اللفظي مانعة من ظهور السبب متصلا بالإرادة . ذلك أن الشكلية والإرادة في القانون الروماني ضدان لا يجتمعان ، وإذا طردت الشكلية الإرادة فإنها تطرد في الوقت ذاته السبب بمعناه النفسي وهو المعنى المتصل بالإرادة .

252 – ظهور السبب في العقود غير الشكلية :

وقد ظهر إلى جانب العقود الشكلية في القانون الروماني عقود أخرى غير شكلية ، أهمها العقود العينية والعقود الرضائية والعقود غير المسماة وعقود التبرع . ولما كان أكثر هذه العقود تتدخل الإرادة في تكوينه ، فقد بدأت فكرة السبب تظهر بظهور الإرادة في تكوين العقد .

أما في العقود العينية – وهي القرض والعارية والوديعة والرهن – فإن الإرادة لم تكن ظاهرة ، وكان أساس الإلزام في هذه العقود هو تسليم العين إلى الملتزم ، فهو ملزم بردها لأنه تسلمها وإلا كان مثرياً دون سبب .

وعلى النقيض من ذلك العقود الرضائية – وهي البيع والإيجار والشركة والوكالة – فالإرادة فيها تتدخل في تكوين العقد ، بل هي وحدها كافية بتكوينه . ومن ثم ظهرت فكرة السبب في هذه العقود ظهوراً واضحاً . ففي عقد البيع التزام البائع سبب لالتزام المشتري ، بحيث إذا هلك المبيع قبل البيع فامتنع التزام البائع لانعدام المحل لم يقم التزام المشتري لانعدام السبب . ولكن فكرة السبب في عقد البيع كانت تقف عند هذا الحد ، فلا تجاوز مرحلة تكوين العقد إلى مرحلة تنفيذه ، ويظهر ذلك في امتناع الدفع بعدم التنفيذ وفي امتناع الفسخ وفي تبعة هلاك المبيع ، وكلها أمور ترجع إلى تنفيذ العقد وتتصل بفكرة السبب . فكان لا يجوز للمشتري أن يمتنع عن دفع الثمن حتى إذا امتنع البائع عن تسليم المبيع ، ولا يجوز للبائع أن يمتنع عن تسليم المبيع حتى لو امتنع المشتري عن دفع الثمن ، فالتزام كل المتعاقدين مستقل في تنفيذه عن التزام الآخر . ومن ثم امتنع الدفع بعدم التنفيذ . وإذا كان القانون الروماني جعل للمشتري فيما بعد دعوى الغش ليمتنع عن دفع الثمن حتى يتسلم المبيع، وجعل للبائع الحق في حبس المبيع حتى يقبض الثمن ، فإن ذلك لم يكن أثراً لعقد البيع ذاته ، بل لاعتبارات ترجع للعدالة ، ولو كان البيع يوجد ارتباطاً بين التزامات كل من المتعاقدين لكان المنطق يقضي بأن تكون دعوى كل منهما ناشئة من عقد البيع ( action ex empto ) [4]. كذلك لم يكن لأحد من المتعاقدين فسخ البيع إذا لم يقم المتعاقد الآخر بتنفيذ التزامه ، بل يبقى البيع ، ويطالب بتنفيذ الالتزام الذي لم ينفذ ، حتى لو كان المتعاقد المطالب بالتنفيذ لم يقم من جانبه بتنفيذ التزامه ، لأن التزام كل من المتعاقدين مستقل في تنفيذه عن التزام الآخر كما قدمنا . وإذا هلك المبيع بعد البيع وقبل التسليم ، كانت تبعة الهلاك على المشتري لا على البائع . وفي هذا إمعان في تأكيد الاستقلال ما بين التزام البائع والتزام المشتري عند التنفيذ . ذلك أنه إذا استحال على البائع لهلاك المبيع تنفيذ التزامه ، بقى المشتري مع ذلك ملزماً بدفع الثمن لاستقلال التزامه عن التزام البائع . ويبدو هذا الحل الروماني قاطعاً في المعنى الذي أسلفناه إذا لاحظنا أن البيع في القانون الروماني لم يكن ينشيء في ذمة البائع التزاماً بنقل الملكية ، ولم يكن المشتري يصبح مالكاً للمبيع بعقد البيع ذاته حتى يقال – كما قيل في القانون الفرنسي – إن المشتري يتحمل تبعة الهلاك لأنه أصبح مالكاً . ومن كل ذلك نرى أنه إذا وجد ارتباط ما بين التزام البائع والتزام المشتري عند تكوين عد البيع حتى صح أن يقال إن كلا منهما سبب للأخر ، فإن هذا الارتباط منعدم عند تنفيذ البيع ، بل يصبح كل التزام في تنفيذه مستقلا كل الاستقلال عن الالتزام الآخر ، وتقف فكرة السبب كما قدمنا عند تكوين البيع ، دون أن تجاوز مرحلة التكوين إلى مرحلة التنفيذ [5] ) .

وفي العقود غير المسماة ظهر السبب على الوجه الآتي : في عقد المقايضة مثلا إذا سلم أحد المتقايضين العوض الذي يملكه ، التزم الآخر بتسليم ما يقابله من العوض . وهذا الالتزام الأخير يقوم لا على إرادة الملتزم وحدها ، بل على هذه الإرادة مضافاً إليها أن سببها قد تحقق . ذلك أن سبب إرادة المتعاقد الآخر في أن يلتزم بتسليم ما عنده هو أن يتسلم ما عند المتعاقد الأول ، وقد تسلمه فعلا ، فتحقق السبب . فإرادته هنا تؤخذ مقرونة بالسبب لا مجردة عنه [6] ) .

وفي الهبة – وهي أهم عقود التبرعات – اعترف القانون الروماني بالسبب إلى حد كبير . فالتبرعات المحضة تقوم على نية التبرع ( animus donandi ) ، وهي السبب في التزام المتبرع . وتترتب على ذلك نتيجة هامة ، هي أنه إذا انعدمت هذه النية انعدم السبب وبطل التبرع . فمن تعهد بوفاء التزام طبيعي معتقداً أنه التزام مدني لا يكون متبرعاً ، ويبطل تعهده لانعدام السبب . والهبة المقترنة بشرط ( donatine sub modo ) يكون الشرط سبباً لها إذا كان هو الدافع إلى التبرع . فإذا لم يقم الموهوب له بتنفيذ الشرط ، كان للواهب أن يسترد هبته بدعوى استرداد ( condition causa data , causa non secuta ) ، وله أيضاً أن يجبر الموهوب له على تنفيذ الشرط . وفي الوصية – وهي إرادة منفردة – اعترف القانون الروماني بالسبب إلى حد أن مزجه بالباعث. فإذا اعتقد الموصي أن وارثه قد مات فأوصى بماله لأجنبي، وتبين أن الوارث لا يزال حياً، واستطاع هذا أن يثبت أن الباعث على الوصية هو اعتقاد الموصى أن الوارث قد مات ، فالوصية باطلة لانعدام سببها [7] ) .

253 – موقف القانون الروماني من نظرية السبب:

ويتبين مما قدمناه أن القانون الروماني اعترف في بعض العقود بفكرة السبب إلى مدى محدود. وهذه العقود هي التي ظهرت فيها الإرادة كعامل من عوامل تكوينها. وحيث تظهر الإرادة يظهر السبب. ولكن الرومان تمثلوا فكرة السبب فكرة موضوعية (objectif) لا ذاتية (subjectif)، ونظروا إلى السبب موجوداً في العقد (intrinsèque) لا خارجاً عنه (extrinsèque)، وهو واحد لا يتغير (invariable) في النوع الواحد من العقود مهما اختلفت البواعث والدوافع. وإذا كانوا قد توسعوا في السبب فمزجوه بالباعث، فقد فعلوا ذلك في نطاق ضيق محدود، وكان ذلك بنوع خاص في بعض التبرعات على النحو الذي بيناه [8] ) . وسنرى فيما يلي أن هذا التصوير الروماني هو الذي رجع إليه دوما ( Domat ) ، في صياغته لنظرية السبب .

وننظر الآن كيف تطورت نظرية السبب في القانون الفرنسي القديم، قبل عهد دوما ومنذ ذلك العهد.

المطلب الثاني: نظرية السبب في القانون الفرنسي القديم

254 – عهدان :

بقيت فكرة السبب تتطور تطوراً مستمراً طوال القرون السبعة التي سبقت التقنين المدني الفرنسي ، من القرن الثاني عشر إلى مستهل القرن التاسع عشر .

وفي خلال هذه القرون الطويلة يمكن التمييز بين عهدين يفصل بينهما الفقيه الفرنسي المعروف دوما ( Domat ) في القرن السابع عشر . إذ هو الذي صاغ فكرة السبب نظرية عامة ، بعد أن تهيأت لها عوامل الصياغة طوال القرون التي سبقته . ومنذ صاغ دوما نظرية السبب تبعته الفقهاء في صياغته ، وتناقلت عنه ما كتب ، حتى انتقلت النظرية عن طريق بوتييه ( Pothier ) إلى التقنين المدني الفرنسي .

فنحن نتابع تطور نظرية السبب في كل من هذين العهدين : ( 1 ) عهد ما قبل دوما ( 2 ) العهد الذي بدأه دوما .

1 – نظرية السبب في العهد الذي سبق دوما [9] )

255 – الرومانيون والكنسيون :

تداول فكرة السبب في هذا العهد فريقان من الفقهاء : فريق الرومانيين ( romanistes ) وفريق الكنسيين ( canonists ) . فالرومانيون رجعوا للفكرة الرومانية في السبب ، وهي فكرة شكلية موضوعية كما قدمنا ، ولذلك لم تتقدم نظرية السبب على أيديهم أكثر مما كانت في القانون الروماني . أما الكنسيون فهم الذين خطوا بفكرة السبب خطوات جبارة ، فانتزعوها من أصلها الروماني إلى أفق أرحب ، وجعلوها فكرة مؤثر فعالة . وننظر الآن كيف كانت فكرة السبب عند كل من الفريقين .

256 – فكرة السبب عند فقهاء الرومانيين :

عاد المُحشُون ( glossateurs )<أصحاب الحواشي> إلى فكرة السبب الرومانية . وتطلبوا السبب في مختلف العقود . ولكن السبب عندهم كان أمراً شكلياً محضاً ، والمهم ليس هو وجوده بالفعل ، بل هو مجرد ذكره في الورقة المثبته للعقد .

أما البارتوليون ( Bartolistes ) فقد اقتفوا اثر من تقدمهم . وعنوا بنوع خاص بالعقود الملزمة للجانبين ، فأبرزوا الارتباط ما بين الالتزامات المتقابلة في هذه العقود ، ولكنهم مع ذلك التزموا حدود القانون الروماني ، فلم يصلوا إلى حد القول بجواز الفسخ في البيع إذا لم ينفذ أحد المتعاقدين التزامه ، بالرغم من أن منطق الارتباط ما بين الالتزامات المتقابلة كان يقضي عليهم بذلك . وميز البارتوليون ، كما فعل المحشون ، بين السبب والباعث ، فسموا الأول " السبب القريب " ( causa proxima ) وكان المحشون يسمونه " السبب القصدي " ( causa finalis ) ، وسموا الباعث " السبب البعيد " ( causa finalis ) . وجعلوا السبب دون الباعث هو الذي يؤثر في العقد . وهذا التمييز ما بين السبب والباعث غريب عن القانون الروماني ، وقد ابتدعه فريق الفقهاء الرومانيين مستلهمين فيه الفلسفة اليونانية . أما الرومان فكان السبب عندهم هو ما كانوا يسمونه " بالسبب المدني " ( causa civilis ) وهو السبب الإنشائي الذي عرفناه فيما تقدم وهذا شيء آخر غير السبب القصدي الذي عارضه الفقهاء الرومانيون بالباعث .

ويمكن القول بوجه عام إن فريق الفقهاء الرومانيين قد أحيَوا الفكرة الرومانية في السبب ، ولكنهم كما قدمنا لم يجاوزوا الحدود التي التزمها القانون الروماني . فبقيت فكرة السبب عندهم ، كما كانت عند الرومان ، فكرة موضوعية لا نفسية ، داخلة في العقد لا خارجة عنه ، وهي واحدة لا تتغير في نوع واحد من العقود .

257 – فكرة السبب عند فريق الفقهاء الكنسيين :

أما فريق الفقهاء الكنسيين فقد كانوا يقدمون على اعتبارات الصياغة الفنية الرومانية اعتبارات أخرى أولى عندهم بالتقدم ، هي الاعتبارات الأدبية المسيحية . وهذه الاعتبارات الأخيرة كانت تقتضيهم أن يقرروا مبدأين :

المبدأ الأول أن الوفاء بالوعد واجب ، وأن الإخلال به خطيئة . ومن ثم كان المتعاقد يلتزم بمجرد تعهده . فكانت الإرادة عندهم – لا شالك – هي التي تنشئ العقد وتجعله ملزماً . وتدرج الفقهاء الكنسيون في هذا المبدأ حتى اقروا أي عقد يقوم على محض تقابل الإرادتين ، دون حاجة إلى شكل أو تسليم أو تنفيذ أو نحو ذلك مما كان القانون الروماني يتطلبه .

والمبدأ الثاني أن العقد لا يجوز تنفيذه إذا كان يهدف إلى عرض غير مشروع . ذلك أن القيام بعمل غير مشروع يعد خطيئة ، ولا يصح الاحتجاج بان المتعاقد قد ارتبط بالعقد ، والإخلال بما ارتبط به يعد خطيئة هو أيضاً . فالخطيئة ليست في أن يخل بهذا الارتباط ، بل في أن يرتبط بعقد غير مشروع . الارتباط بمثل هذا العقد يعتبر خطيئة ، وتنفيذه يعد خطيئة أخرى . وها نحن نرى إلى أي مدى يسوق هذا المنطق . فالغرض الذي يريد المتعاقد أن يحققه من وراء التزامه هو السبب في تعاقده . وهذا السبب إذا كان غير مشروع جعل العقد باطلا . وإذا كانت الإرادة وحدها تلزم المتعاقد ، إلا أن هذه الإرادة يجب أن تتجه إلى تحقيق غرض مشروع ، وإلا كانت عديمة الأثر . فيبرز أمامنا السبب في صورة أخرى غير الصورة التي ألفناها في القانون الروماني ، شيئاً غير مجرد الصياغة الفنية ، وعاملا نفسياً زاخراً بالقوة ، بعيداً في الأثر . ويبدو لأن في وضوح أن الفقهاء الكنسيين وضعوا إلى جانب الإرادة – بعد أن جردوها من الشكل – الغرض الذي ترمى إلى تحقيقه ، وربطوها به ، فأصبحت الإرادة لا تنفصل عن الغرض الذي تهدف إليه ، وهي إذا تجردت عن الشكل فليست تتجرد عن السبب . والسبب هنا ليس هو هذا السبب الروماني ، الموضوعي ، الداخل في العقد ، والذي يبقى واحداً لا يتغير في نوع واحد من العقود ، بل هو الباعث النفسي ، الخارج عن العقد ، والذي يتغير فيختلف في عقد عنه في العقد الآخر .

ونستطيع أن نستخلص من هذا التحليل الذي ابتدعه الفقهاء الكنسيون أموراً أربعة :

أولاً – أن السبب برز إلى جانب الإرادة بمجرد أن ظهرت الإرادة عاملا أساسياً في تكوين العقد .

ثانياً – أن فكرة السبب تطورت تطوراً خطيراً ، فأصبح السبب هو الباعث الدافع إلى التعاقد .

ثالثاً – أن السبب بهذا المعنى الجديد ل محل الشكل قيداً على الإرادة . فما دام الوعد القائم على الإرادة وحدها ملزماً دون حاجة إلى الشكل ، فلا أقل من أن يكون هذا الوعد متجهاً لتحقيق غاية مشروعة ، ومن هنا استطاع الكنيسون أن يداوروا مبادئ القانون الروماني فلا يتعارضون معه تعارضاً صريحاً ، وأمكنهم أن يتجنبوا ظاهراً القول بأن الاتفاق العاري ( pacte nu ) ملزم وحده ، وأن يستبدلوا بعبارة " الاتفاق العاري " عبارة " الوعد المسبب " ( promesse cause ) فيضيفوا إلى القائمة الرومانية للعقود الملزمة ( pacta vestita ) طائفة جديدة هي طائفة " الوعود المسببة " .

رابعاً – أن السبب إذا كان قد قيد الإرادة من جهة ، فهو قد اطلقها من جهة أخرى ، إذ حررها من الشكل ، وجعلها وحدها ملزمة مادامت تتجه لتحقيق ، غاية مشروعة .

فالكنسيون كما نرى هم الذين ابتدعوا نظرية السبب ، لا بمعناها الروماني الضيق ، بل بمعناها الجديد الواسع .

وإذا كانوا قد جعلوا من نظرية السبب بادئ الأمر أداة قوية لحماية المجتمع عن طريق إبطال العقود التي تتجه لتحقيق أغراض غير مشروعة ، فإنهم ما لبثوا أن جعلوا أيضاً من النظرية ذاتها أداة لحماية الفرد وتحرير اراداته من الغلط والتدليس والغش . ذلك إنهم أضافوا إلى السبب غير المشروع ، في إبطال العقد ، السبب غير الحقيقي . فإذا وقع غلط أو تدليس في الباعث على التعاقد ، كان السبب غير حقيقي ، وبطل العقد . ومن هنا اختلطت نظرية الغلط بنظرية السبب ، وقد أسلفنا الإشارة إلى ذلك عند الكلام في نظرية الغلط .

هذا هو عمل الفقهاء من رجال الكنيسة ، إليه وحده يعود الفضل الأكبر في إيجاد النظرية الصحيحة للسبب . وقد تبع رجال الكنيسة في نظريتهم هذه بعض من الفقهاء المدنيين ( civilistes) من أمثال لوازيل ( Loysel ) [10] ) وديمولان ( Dumoulin ) ، فقالوا بالإرادة وحدها مصدراً لتكوين العقد ، واصلين في هذا ما بين الإرادة والسبب ، وجاعلين للسبب المعنى الذي فهمه الفقهاء الكنسيون . وبقى فقهاء مدنيون آخرون ، من أمثال كونان ( Connan ) ودونو ( Doneau) محافظين على تقاليد القانون الروماني ، فلا يسلمون بان الاتفاق العاري عقد ملزم ، ولا يفهمون السبب إلا في ضوء الفكرة الرومانية الضيقة . ولكن ما لبث الفريق الأول أن فاز على الفريق الثاني . فاعترف الفقه والقضاء في فرنسا بان الإرادة وحدها ملزمة مادامت الغاية التي تهدف لتحقيقها غاية مشروعة ، فوهم السبب بالمعنى الذي ابتدعه الكنسيون : الباعث الدافع إلى التعاقد . فأبطلت العقود التي تهدف لاستغلال النفوذ ، واعتبرت ديون المقامرة باطلة لعدم مشروعيتها ، وأصبح الباعث يؤثر في التبرعات .

وسارت الأمور على هذا النحو المحمود حتى جاء دوما يصوغ نظرية عامة للسبب . وننظر الآن ماذا فعل هذا الفقيه هو ومن وجاء بعده من الفقهاء .

2 – نظرية السبب منذ عهد دوما إلى عهد التقنين المدني الفرنسي [11] )

258 – العوامل الذي أثرت في هذا العهد و فقهاؤه البارزون :

جاء دوما في القرن السابع عشر ، وبدأ عهداً جديداً كان من العهود الحاسمة في تاريخ تطور نظرية السبب . والعوامل البارزة التي كانت تؤثر في التفكير القانوني لرجال هذا العهد ثلاثة :

أولاً – انتكاص القانون الروماني وتقلص نفوذه . وقد أصبح تقسيم العقود إلى عقود شكلية وعقود غير شكلية، وتقسيم العقود غير الشكلية إلى عقود عينية وعقود رضائية وعقود غير مسماة واتفاقات بريطورية واتفاقات شرعية ، كل هذه التقسيمات العتيقة أخذت تهجر فتسير في طريقها إلى الاندثار . على أن فريقاً من الفقهاء المدنيين (civilistes) بقوا متأثرين بالنظرية الرومانية في السبب كما قدمنا .

ثانياً – أثر القانون الكنسي . وقد رأينا رجال هذا القانون يتم على أيديهم فتح مبين في ميدان سلطان الإرادة ، فيقولون بان الإرادة وحدها ملزمة ، ويسير وراءهم في ذلك كثير من الفقهاء المدنيين .

ثالثاً – انتشار مبادئ القانون الطبيعي . وقد حمل لواءها جروسييس ( Grctius ) الفقيه الهولندي المعروف . وهي مبادئ توحي بنبذ ما يحوط الإرادة من أوضاع وأشكال رومانية عتيقة ، وتحكم العقل في كل ذلك فلا يتردد في إقصائها وتحرير الإرادة منها .

وهذا العهد الجديد بدأه دوما كما ذكرنا ، وطبعه بطابعه . وبقى أثر هذا الفقيه الفرنسي الكبير حياً في النفوس طوال الاجيال . واقتصر من جاء بعده من الفقهاء على ترديد ما كتبه في نظرية السبب ، دون أن يضيفوا إليها شيئاً يذكر ، غير الاسهاب في بعض التفصيلات . وابرز هؤلاء الفقهاء فقيهان : بريفو دي لاجانيس ( Prevot de la Janes ) وبوتييه ( Pothier ) . 
ونستعرض أولاً ما كتبه دوما في نظرية السبب ، ثم ننظر ما قاله بعده هذان الفقيهان .

259 – نظرية السبب عند دوما :

لم يكن دوما مبتدعاً فيما كتبه في نظرية السبب . بل هو نفسه لم يكن يشعر أنه يقول شيئاً جديداً عندما كان يقرر هذه النظرية في كتابه " القوانين المدنية " . كان يبسطها بسطاً موجزاً ، دون مناقشة أو بحث ، كما يبسط أمراً من الأمور المقررة في عصره ، فلا يرى نفسه في حاجة إلى تمحيص ما يورده من الآراء أو الدفاع عنها باعتبار إنها آراء جديدة . لذلك كان من المبالغة أن يقال – كما قال كثيرون – إن دوما له حظ كبير من الابتداع في نظرية السبب . بل نحن لا نشارك أصحاب النظرية التقليدية في السبب ، من أمثال الفقهي الكبير كابيتان ، رأيهم من أن دوما له فضل عظيم في دعم نظرية السبب على أساس صحيح . فعندنا أن دوما قد أساء إلى نظرية السبب أكثر مما أحسن ، وعاق تطورها الطبيعي ، وأعادها إلى وضعها الروماني نظرية قاحلة مجدبة . والغريب أن دوما قد انقاد في هذا ، لا لحكم العقد وقواعد المنطق التي ألفها وسار عليها في كتابه [12] ) ، بل إلى البقية من اثر القانون الروماني التي تسربت إلى القانون الفرنسي القديم على أيدي الفقهاء الرومانيين ( romanistes ) وفريق من الفقهاء المدنيين ( civilistes ) الذين تأثروا بالأولين .

على أن لدوما مزيتين لا ينكران في هذا الشأن : ( اولاهما ) هذه النظرة الشاملة التي احاط بها موضوع السبب ، فصاغ منه نظرية عامة محبوكة الأطراف لم تكن قبله قد نسقت على النحو الذي قام به هو . كانت هناك أحجار مهيأة للبناء ، فشيد منها دوما بناء مدعما متماسكاً ، هو الذي انتقل منه إلى من بعده من الفقهاء ، ثم منهم إلى أصحاب النظرية التقليدية التي ظلت سائدة طوال القرن الماضي . ( والمزية الثانية ) أن دوما سجل في وضوح كامل ما وصل إليه عصره في تحرير الإرادة من الشكل والرسوم والأوضاع . فقد كانت التقسيمات الرومانية العتيقة لأصناف العقود قد دالت دولتها ، وزالت التفرقة بين الاتفاق العاري غير الملزم والعقود والاتفاقات الملزمة ، وأصبح كل اتفاق ملزماً . ويقرر الفقهي الكبير هذه الحقائق في عبارات جلية واضحة فيقول في كتابه " القوانين المدنية " [13] ) : " كل اتفاق ، سواء أكان له اسم معين أم لم يكن ، ينتج أثره دائماً ويلزم بما تم الاتفاق عليه . . . ولم يعد هناك محل لأن نبسط ما كان القانون الروماني يقيمه من فروق بين العقود التي لها اسم معين والعقود التي لا اسم لها . فهذه التمييزات التي تنطوي على دقة زائفة لم تعد مقبولة في عرف عصرنا ، وهي مدعاة للاضطراب من غير ما فائدة " . ويلاحظ أن دوما يقرر أن الإرادة وحدها ملزمة على اعتبار إنها حقيقة مقررة في عصره ، لا تحتاج إلى تمحيص أو مناقشة . فقد كانت القاعدة التي تقرر أن " الاتفاق وحده ملزم " ( Solus consensus obligat ) قد ظفرت في النهاية ، وفاز أنصارها على معارضيها من الفقهاء المدنيين المتأثرين بالقانون الروماني .

أما العيب الجوهري في نظرية دوما فهو أنه تأثر في هذه النظرية ، كما قدمنا ، بالفقهاء المدنيين الذين ظلوا أمناء للقانون الروماني فنقل عنهم النظرية الرومانية الضيقة [14] ) . وهنا يتولانا شيء من العجب . فإن دوما ، وهو من أنصار المنطق والقانون الطبيعي ، وقد رأيناه يقول بالإرادة وحدها مصدراً للالتزام فيطاوع في ذلك الفقهاء المدنيين المتأثرين بالقانون الكنسي ، يرجع القهقري عندنا يتولى بسط نظرية السبب ، فلا يسير في منطقة إلى مداه ، ولا يقول مع هؤلاء الفقهاء المدنيين أنفسهم إن الإرادة بعد أن أطلقت من عقال الشكل وجب أن تتقيد بالغرض الذي اتجهت إلى تحقيقه فيكون الباعث هو السبب ، يأبى دوما أن يكون منطقياً في نظرته للإرادة والسبب ، ويرجع إلى الفكرة الرومانية ، فيجعل من السبب أمراً موضوعياً داخلياً لا يتغير في نوع واحد من العقود ! وقد يعلل ذلك أن دوما آثر دقة الصياغة الرومانية فجرى على منوالها ، ولكنه أضاع بذلك على القانون خصوبة النظرية الكنسية في السبب وما لها من مدى بعيد وأثر بالغ .

وهذا ما يقوله دوما وهو يبسُط نظرية السبب ، بعد أن يقسم العقود أقساماً أربعة ، الثلاثة الأولى هي عقود معاوضة والقسم الأخير خصص لعقود التبرع : " في الأقسام الثلاثة الأولى من العقود يجري التعامل دو أن يكون فيه أي تبرع ، ويكون التزام أحد المتعاقدين هو الأساس لالتزام الآخر . وحتى في العقود التي يظهر أن شخصاً واحداً فيها قد التزم ، كما في اقتراض مبلغ من النقود ، قد سبق التزام المقترض ما وجب أن يعطيه إياه الطرف الآخر حتى يتكون العقد . وعلى ذلك فالالتزام الذي ينشأ من مثل هذه العقود لمصلحة أحد المتعاقدين يوجد سببه دائماً في جانب الآخر . ويكون الالتزام باطل إذا لم يكن مبنياً في الواقع على سبب " [15] ) . ثم يتابع دوما بسط نظريته ، وينتقل إلى عقود التبرع فيقول : " وفي الهبات . . . يكون التزام الواهب أساسه غرض من الأغراض المعقولة الحقة ، كخدمة أسداها الموهوب له أو أية مزية أخرى فيه أو محض الرغبة في عمل الخير من جانب الواهب . وهذا الغرض يقوم مقام السبب بالنسبة إلى الطرف الذي أخذ ولم يعط شيئاً ([16] ) " . ويقد يفهم من هذه العبارات الأخيرة من دوما يرى أن السبب في التبرعات قد يكون هو الباعث ، كما كان الأمر في القانون الروماني على ما قدمنا . ولكنه في موضع آخر يعود إلى هذه المسألة فيقول : " يجب في الهبات أن نميز تمييزاً واسعاً ما بين البواعث التي يعلن الواهبون إنها هي أسباب تبرعهم وبين الشروط التي يفرضونها في هباتهم . وذلك لأنه بينما أن الإخلال بالشرط في الهبة المقترنة بشرط يبطلها ، فإن الهبة تبقى قائمة حتى لو تبين أن البواعث التي ذكرت فيها ليست صحيحة . فلو أنه ذكر في هبة إنها تمت لخدمات أسديت أو لتمكين الموهوب له من أن يمتلك شيئاً يريده ، فإن الهبة لا تبطل حتى لو ظهر أنه لم تكن هناك خدمات أسديت أو أن الامتلاك لم يتم . وذلك لأن إرادة من وهب تبقى دائماً قائمةً ، وقد تكون له بواعث أخرى غير التي أعلنها [17] )" . ويستخلص الأستاذ كابيتان من هذه العبارات أن دوما يميز في عقود التبرع بين السبب والباعث ، فالسبب هو الذي يؤثر في صحة التبرع ، أما الباعث فلا اثر له [18] ) .

ويتبين مما قدمناه أن دوما يشترط قيام السبب في جميع العقود . فالسبب في التزام المتعاقد . فالسبب في التزام المتعاقد في العقود الملزمة للجانبين هو ما يقوم به المتعاقد الآخر ، أي التزامه المقابل ، والسبب في التزام المتعاقد في العقود الملزمة لجانب واحد هو ما قام به المتعاقد الآخر ، أي التسليم التي تم من جانبه في مبدأ الأمر . والسبب في التبرعات هو إرادة المتبرع في أن يتبرع ، أي نية التبرع . ومن ذلك نرى أن نظرية دوما في السبب قامت على الفكرة الرومانية الضيقة ، وتأثرت بأقوال الفقهاء المدنيين احتفظوا بتقاليد القانون الروماني .

260 - نظرية السبب عند خلفاء دوما من الفقهاء :

ولم يزد الفقهاء الذين خلفوا دوما في القانون الفرنسي القديم على أن يرددوا ما قاله دوما في نظرية السبب . وابرز هؤلاء الفقهاء ، كما قدمنا ، فقيهان : بريفو دى لا جانس وبوتييه .

كان بريفو دي لاجانس ( Prevot de la Janes ) أستاذاً للقانون في جامعة اورليان في النصف الأول من القرن الثامن عشر ، وقد توفى في سنة 1749 . ذكر في كتاب له [19] ) أن الرضاء يجب أن يكون مبنياً على سبب ( fonde sur quelque cause ) . وعرف السبب بأنه الغرض (motif ) الذي دفع ا لمتعاقد إلى الالتزام . ولكنه بين ما يريد بكلمة " الغرض " عند الكلام في البيع ، فذكر أن السبب في التزام كل من المتعاقدين هو التزام المتعاقد الآخر المقابل له . فالسبب عنده في العقود الملزمة للجانبين هو السبب ذاته عند دوما [20] ) .

أما بوتييه ( Pothier ) الفقيه الفرنسي المعروف – وقد خلف بريفو دي لاجانس في استاذية القانون بجامعة اورليان – فكان أوضح بياناً من سلفه في بسط نظرية السبب ، ولكنه لم يخرج كثيراً عما قاله دوما في هذه النظرية . ذكر في كتاب " الالتزامات " [21] ) ما يأتي : " يجب أن يكون لكل التزام سبب شريف ( cause honnête ) . ففي عقود المعاوضة يكون السبب في الالتزام الذي يعقده اد الطرفين هو ما أعطاه له الطرف الآخر ، أو ما يلتزم بإعطائه له ، أو التبعة التي يتحملها . وفي عقود التبرع يكون الجميل الذي يقصد أحد المتعاقدين أن يسديه للأخر سبباً كافياً للالتزام الذي يعقده قبله . أما إذا لم يقم الالتزام على أي سبب ، أو ما يعدل ذلك إذا كان السبب الذي عقد من اجله الالتزام غير صحيح ، فالالتزام باطل ، ويبطل العقد الذي يتضمنه " . ثم ينتقل بوتييه إلى السبب غير المشروع فيقول : " إذا كان السبب الذي عقد من اجله الالتزام سبباً يجرح العدالة أو حسن النية أو الآداب ( cause qui blesse la justice , la bonne foi ou les bonnes mœurs ) ، فالالتزام باطل ، ويبطل العقد الذي يتضمنه [22] ) " .

ونرى من ذلك أن بوتييه ردد في وضوح وإسهاب ما سبقه إليه دوما . وإذا كان قد زاد عليه في التفصيل ، ففي المسائل الثلاث الآتية : ( 1 ) لم يكشف بأن يحدد السبب في العقود الملزمة للجانبين والعقود الملزمة لجانب واحد ، بل حدده أيضاً في العقود الاحتمالية وجعله التبعة التي يتحملها المتعاقد . ( 2 ) ذكر في وضوح أن السبب في التبرعات هو نية التبرع ، وكان دوما غير واضح في ذلك وضوحاً كافياً كما رأينا . ( 3 ) أفاض في ذكر السبب غير المشروع وقرنه بالسبب غير الموجود والسبب غير الصحيح ، فوضع الأساس لشروط السبب في النظرية التقليدية [23] ).

وقد نقل قانون نابليون نظرية السبب عن دوما وبوتييه في المواد 1108 و 1131 – 113 . وصارت هذه النصوص هي الأساس الذي تقوم عليه النظرية التقليدية في السبب .

هذا هو تاريخ تطور نظرية السبب ، أوردناه في شيء من التفصيل حتى نتبين أن هذه النظرية قد انتقلت إلى القانون الحديث وهي تحمل أثراً واضحاً من ذكريات ماضيها ، سواء في ذلك النظرية التقليدية أو النظرية الحديثة . وننتقل الآن لبسط نظرية السبب في القانون الحديث .

 

العودة الى سبب الالتزام -البدابة

 



 



[1] ) لم يقتصر " السبب المدني " ( causa civilis ) في القانون الروماني على العقود الشكلية ، بل كان بوجه عام هو المصدر القانونين الذي يكون العقد ويضفى عليه قوته الملزمة . ومن ثم يكون " السبب المدني " للعقود الشكلية هو الشكل ، وللعقود العينية هو تسليم الشيء ، وللعقود الرضائية هو مجرد الاتفاق ، وللعقود غير المسماة هو قيام أحد المتعاقدين بتنفيذ التزاماته ، وهكذا .

[2] ) ومن ثم كان أول مظهراً لفكرة السبب في تطورها مظهر اتخذت فيه صورة الإثراء بلا سبب ، على فرق ما بين معنيي " السبب " في الحالتين .

[3] ) وقد عدلت القاعدة بعد ذلك وأصبح عبء الإثبات لا يقع على المقرض إلا إذا لم يذكر في العقد المكتوب أن الالتزام له سبب في نفذ ( cautio discreta ) أي إذا لم يعترف المدين كتابة أنه تسلم مبلغ القرض . فإذا اعترف بهذا كان هو المكلف بإثبات أنه لم يتسلم. ولم تقف القاعدة عند حد عقد القرض الواقع على مبلغ من النقود، بل جاوزت هذا العقد إلى عقد المهر، ثم إلى عقد القرض الواقع على المثليات غير النقود : وعممت القاعدة بعد ذلك ، فأصبحت تشمل جميع العقود ( أنظر كابيتان في السبب فقرة 44 – بلانيول وريبير وبولانجيه جزء 2 فقرة 284 ) .

[4] ) أنظر كابيتان في السبب ص 94 .

[5] ) أما في عقد الإيجار فإن الارتباط يجاوز التكوين إلى التنفيذ ، إذ كانت الأجرة في هذا العقد تقابل الانتفاع ، فإذا تعذر الانتفاع ولو بقوة قاهرة ، عند تكوين العقد أو عند تنفيذه ، فإن الأجرة لا تجب . وإذا تأخر المستأجر عن دفع الأجرة مدة سنتين ، كان للمؤجر الحق في استرداد العين المؤجرة ( كابيتان في السبب ص 98 ) . ويرجع هذا إلى أن عقد الإيجار عقد زمني ، الزمن فيه عنصر جوهري ، وهو محل العقد ذاته .

[6] ) وإذا لم يقم المتعاقد الآخر بتنفيذ التزامه من تسليم ما عنده للمتعاقد الأول ، كان لهذا أن يطالبه بالتنفيذ كما قدمنا . وكان له أيضاً أن يسترد ما سلمه بدلا من المطالبة بالتنفيذ . وقد يكون هذا أثراً من دعوى الاسترداد التي كانت للمتعاقد الأول قبل الاعتراف بالقوة الملزمة للعقود المسماة ، أو قد يكون الحق في الاسترداد نتيجة لفسخ العقد ، وفي هذا اعتراف بالسبب فهو الذي بنى على تخلفه فسخ العقد ( كابيتان في السبب فقرة 51 ) .

[7] ) كاتبيتان في السبب فقرة 55 .

[8] ) على أن هذا التصوير الخاص لفكرة السبب لم يكن إلا نتيجة للصياغة الرومانية الشكلية ، فلم تضع الرومان أية نظرية للسبب ، بل إنهم كانوا إذا أطلقوا كلمة " السبب " قصدوا بها " السبب المدني " ( causa civilis ) الذي رأيناه فيما تقدم .

[9] ) أنظر بنوع خاص في هذا العهد كابيتان فيا لسبب فقرة 57 – فقرة 77 – شيفرييه ( chevrier ) في تاريخ السبب في الالتزامات باريس سنة 1 929 – بوا جيزان ( Bois – Juzan ) في السبب في القانون الفرنسي بوردو سنة 1939 ص 110 – ص 144 – والمراجع المشار إليها في هذه المؤلفات .

[10] ) وهو صاحب المثل المشهور : " يربط البقر بقرونه ، ويربط الرجل بكلامه ، ومجرد الوعد أو الاتفاق يعدل العقود اللفظية في القانون الروماني " ' On lie les boeufs par les cornes et les homes par los parcels p et autant vaut une simple promesse ou convenance que les stipulations du Droit Romain' . ( Inst . cont . max . 357 )

[11] ) أنظر بنوع خاص في هذا العهد : كابيتان في السبب فقرة 77 – فقرة 80 – شيفرييه ص 246 – وما بعدها – تمبال ص 88 وما بعدها – يوناسكو ص 42 وما بعدها – بواجيزان ص 144 وما بعدها .

[12] ) فقد كان دوما من دعاة القانون الطبيعي ، وعرف بأنه هو الذي احيي التفكير المنطقي في الفقه المدني ، فوضع كتابه المشهور " القوانين المدنية وفقاً للنظام الطبيعي " ( Lois Civiles dans leur ordre naturel ) ، ولم ينهج فيه نهج من سبقه من الفقهاء في شرح نصوص القانون الروماني ( Corpus Juris Civilis ) ، بل كان لا يرجع إلى هذه النصوص إلا لتكون مؤيدة لما يقرره من أحكام العقل والمنطق ، فيكون ذلك ابلغ في الاقناع وادعى إلى الاطمئنان ( mettre l'esprit en repos ) كما يقول .

[13] ) الكتاب الأول – الباب الأول – الفرع الأول فقرة 7 .

[14] ) ويذكر كابيتان في كتابه في السبب ( ص 160 – ص 163 و ص 163 هامش رقم 1 ) أن دوما تأثر في نظريته في السبب بفقهاء مدنيين ينتمون إلى الفقهاء الرومانيين ، من أمثال كونان ( Connan ) و دونو ( Doneau ) أنظر أيضاً في هذا المعنى بلانيول وربيير وبولانجيه 2 فقرة 287 .

[15] ) " القوانين المدنية " الكتاب الأول – الباب الأول – الفرع الأول – وقرر دوما في موضع آخر من الكتاب أن الالتزام قالذي قام على سبب انقطع بعد ذلك يصبح باطلا ( الكتاب الأول – الباب الأول – الفرع الأول فقرة 13 ) ، فهو يستصحب السبب من تكوين العقد إلى تنفيذه .

[16] ) " القوانين المدنية " الكتاب الأول – الباب الأول – الفرع الأول .

[17] ) " القوانين المدنية " الكتاب الأول – الباب العاشر – الفرع الأول فقرة 13 .

[18] ) كابيتان في السبب فقرة 79 . قارن بواجيزان ( ص 150 – ص 155 ) وهو يستخلص من هذه العبارات أن دوما يعتد بالباعث في التبرعات ، ويجعل له أثراً في صحتها – ويبدو أن دوما يميز بين الباعث الدافع للهبة ، ومظهره أن يكون شرطاً مفروضا في العقد ، وهو يؤثر في صحة التبرع ، وبين الدوافع التي تذكر في العقد دون أن تفرض شروطاً ، وهذه لا تؤثر لاحتمال أن يكون هناك دوافع أخرى حملت على التبرع .

[19] ) Principes de la Juris . Fr . Suivant l'ordre . des actions . ) القسم الثاني – الباب الثامن – الفصل الثاني .

[20] ) كابيتان في السبب فقرة 80 – ويرى بريفودي لاجانس أن التعهد المكتوب يكون ذا سبب صحيح إذا ذكر المتعهد أنه يقر بمديونيته ويتعهد بالدفع ، فالإقرار بالمديونية سبب كاف للالتزام ( بواجيزان ص 158 – ص 159 ) .

[21] ) فقرة 42 .

[22] ) " الالتزامات " فقرة 43 .

[23] ) وزاد بوتييه أيضاً في أنه مير بين السبب بمعنى مصدر الالتزام والسبب بمعنى الغرض الذي يقصد إليه الملتزم ، فوضع بذرة التقسيم الثلاثي للسبب الذي سنراه في النظرية التقليدية .